الشيخ عباس القمي
462
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
( 1 ) ولو تأمل متأمل في سلوك المأمون ومعاشرته مع الامام عليه السّلام لأذعن بما قلناه ولصدّقه ، أيتصوّر عاقل انّ المأمون المحب لدنياه الذي أمر بقتل أخيه محمد الأمين أشد قتلة وإرسال رأسه إليه ، فنصبه في صحن داره على خشبة وأمر الجنود والعساكر أن يلعنوه ليأخذوا جوائزهم ، فهل يعقل أنّ هذا الشخص الطالب للخلافة والرئاسة والمنغمر في حبّ الدنيا والجاه يدعو الإمام الرضا عليه السّلام من المدينة إلى مرو ويخلع نفسه من الخلافة ويفوّضها إلى الامام ، ويصرّ على ذلك شهرين ؟ إن هذا الّا مكر وشيطنة ! كيف والخلافة قرة عين المأمون ، وكما قيل ( الملك عقيم ) ، وقد عرف محمد الأمين شخصية أخيه جيدا حينما سأل أحمد بن سلام - عندما ألقي القبض عليه - أيقتلني المأمون ؟ فقال أحمد : انّه لا يقتلك وانّ الرحم ستعطفه عليك ، فقال الأمين : هيهات الملك عقيم لا رحم له « 1 » . ( 2 ) فالمأمون لم يرض ولم يحب أن تنشر أيّ فضيلة لأبي الحسن الرضا عليه السّلام كما يظهر هذا وينجلي تماما من ملاحظة الروايات في ذهابه عليه السّلام إلى صلاة العيد ومنع المأمون له من اقامتها وغيرها ، ومضى في ذيل حديث رجاء بن أبي الضحاك انّه لما أخبر المأمون بفضائل ومناقب وعبادة الإمام الرضا عليه السّلام ، قال المأمون : لا تخبر الناس بهذا ، ثم قال ( من أجل مصلحته وشيطنة منه ) : فإنّي أريد أن لا تنشر فضائله ومناقبه الّا على لساني . لكنّه لمّا رأى ظهور علم الإمام وفضله وكماله على الناس وانّهم يميلون إليه ويحبّونه ، اضطرمت نار الحسد في صدره ، وبدأ بتدبير حيلة للتخلص منه ، فاستقر رأيه على أن يسمّه ، فسمّه وقتله . ( 3 ) وكما روى الشيخ الصدوق عن أحمد بن عليّ انّه قال : سألت أبا الصلت الهروي ، فقلت : كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السّلام مع إكرامه ومحبّته له وما جعل له من ولاية العهد بعده ؟
--> ( 1 ) مروج الذهب ، ج 3 ، ص 413 .